المقريزي
267
رسائل المقريزي
( الإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فقد وقف ذو القريحة « 1 » الشحيحة ، والخاطر الحائر على ما برزت به الإشارة الكريمة ، من حل لغز قد استغلق معناه ، وبعد مرماه ، فامتثلت ذلك ولم أكن هنالك أدخل الألغاز غير صناعتي ، والنظر فيها ومعاناتها ليست من بضاعتى ، لكني سألت الله أن ييسر لي حله ، فأعان عليه ، وأهدى بفضله إليه ، فإذا هو قد ألغز في الماء الذي به حياة الأنفس ، وحياة كل شيء حي وبيانه أنه قال : ما قولكم في شيء يطير بلا جناح يبيض ويفرخ في البطاح « 2 » ؟ هذا إشارة إلى نزول الماء من السحاب ، فإن الطيران هو الاستعلاء في جو السماء والارتفاع في الهواء والمرور فوق الأرض وتحت السماء ، وكذلك الماء فإنه يستعلى في الجو ، فإن الشمس إذا أشرقت وارتفع الندى طار ، وحقيقة الندى النازل من السماء إنما هو أجزاء مائية صغيرة واعتبره هذا تجده عيانا ، فإنك إذا وضعت قشرة بيضاء تحت السماء في ليلة ذات أندية فإنها توجد في السحر قد امتلأت ماء ، فإذا طلعت الشمس تراها ترتفع في الجو بنفسها حتى تغيب عن العيان ، وأما مرور الماء فوق الأرض وتحت السماء ، فأمر مشاهد عند نزول المطر ، فقد بان واتضح أنه يطير بلا جناح ، وإطلاق الطيران عليه يكون من باب الاستعارة . وقوله : « يبيض ويفرخ في البطاح » استعارة لطيفة ، فإن الماء إذا نزل إلى الأرض أخرجت عند ذلك حبّها ، ومن هذا فاستعار اسم البيض والفراخ لما يكون عن الماء ، والاستعارة تكون بأوفى علاقة كما تقرر في علم البيان . « رأسه في ذنبه » يشير إلى أن وقت نزول الماء من السماء يرى خطوطها ؟ ؟ كأنها حبال أو أعمدة ، أو خيوط بحسب غزارته ، فيكون رأس الخط الممتد مما يلي
--> ( 1 ) القريحة : أول ماء يستنبط من البئر ، ومعناه هنا : الطبع . القاموس ( 3 / 584 ) . ( 2 ) البطاح : المكان المتسع من الأرض ، والبطاح : جمع بطح وبطيحة ، وبطحاء . القاموس ( 1 / 285 ) .